يزيد بن محمد الأزدي
235
تاريخ الموصل
واتّفق ابن مقلة ومؤنس وبليق وابنه على الإيقاع بابن ياقوت ، فعلم ؛ فاستتر وتفرّق رجاله . وجاء علي بن بليق إلى دار الخلافة ، فوكّل بها أحمد بن زيرك ، وأمره بالتضييق على القاهر وتفتيش من يدخل . وطالب ابن بليق القاهر بما كان عنده من أثاث أمّ المقتدر ، فأعطاه إيّاه ، فبيع وجعل في بيت المال ، وصرف إلى الجند « 1 » . فأما والدة المقتدر فإنها كانت قد اشتدت علتها ؛ لشدة الضرب الذي ضربها القاهر ، فأكرمها علي بن بليق وتركها عند والدته فماتت في جمادى الآخرة ، وكانت مكرمة مرفهة ، ودفنت بتربتها بالرصافة ، وضيق علي بن بليق على القاهر ، فعلم القاهر أن العتاب لا يفيد ، وأن ذلك برأي مؤنس وابن مقلة ، فأخذ في الحيلة والتدبير على جماعتهم ، وكان قد عرف فساد قلب طريف السبكرى وبشرى خادم مؤنس لبليق وولده على ، وحسدهما على مراتبهما ، فشرع في إغرائهما ببليق وابنه ، وعلم أيضا أن مؤنسا وبليقا أكثر اعتمادهما على الساجية أصحاب يوسف بن أبي الساج وغلمانه المنتقلين إليهما بعده ، وكانا قد وعدا الساجية بالموصل مواعيد أخلفاها ، فأرسل القاهر إليهم يغريهم بمؤنس وبليق ، ويحلف لهم على الوفاء بما أخلفاهم ؛ فتغيرت قلوب الساجية . ثم إنه راسل أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله ، وكان من أصحاب ابن مقلة وصاحب مشورته ، ووعده الوزارة فكان يطالعه بالأخبار ، وبلغ ابن مقلة أن القاهر قد تغير عليه ، وأنه مجتهد في التدبير عليه وعلى مؤنس وبليق وابنه على والحسن بن هارون ، فأخبرهم ابن مقلة بذلك « 2 » . وفيها وقع الإرجاف بأنّ علي بن بليق وكاتبه الحسن بن هارون عزما على سبّ معاوية على المنابر ، فارتجّت بغداد . وتقدم ابن بليق بالقبض على رئيس الحنابلة أبى محمد البربهارى فاستتر ، فنفى جماعة من أصحابه إلى البصرة . وبقي تحيّل القاهر في الباطن على مؤنس وابن مقلة ، فبلغهم فعملوا على خلعه وتولية ابن المكتفى . فدبّر ابن مقلة تدبيرا انعكس عليه ! أشاع بأنّ القرمطي قد غلب على الكوفة ، وأرسل إلى القاهر : المصلحة خروج ابن بليق إلى قتاله ؛ ليدخل ابن بليق يقبّل يده ، فيقبض عليه . ففهمها القاهر ، وكرّر ابن مقلة الطّلب بأن يدخل ابن بليق ليقبّل يده ويسير .
--> ( 1 ) ينظر : تاريخ الإسلام للذهبي حوادث 321 ص ( 5 ، 6 ) . ( 2 ) ينظر : الكامل ( 8 / 251 ، 252 ) .